يحيي بن حمزة العلوي اليمني
218
الطراز لأسرار البلاغة وعلوم حقائق الإعجاز
المرادة من الكناية ، وهو عيب عند أهل البلاغة ، ومن هذا قول الشريف الرضى يرثى امرأة : إن لم تكن نصلا فغمد نصال وهذا عندهم من ركيك الكناية ورديئها فإنه لا يعطى الفائدة المقصودة من الكناية ، بل ربما سبق الوهم في هذا الموضوع إلى ما يقبح ذكره من التهمة بالريبة ، ومن هذا قول أبى الطيب المتنبي أيضا : إني على شغفى بما في خمرها * لأعف عما في سراويلاتها قال ابن الأثير : فهذه كناية عن النزاهة والعفة إلا أن الفجور أحسن منها وما ذاك إلا لنزول قدرها وسوء تأليفها . وقد أجاد الشريف الرضى فيما أساء فيه أبو الطيب فأورده على أحسن هيئة وجاء به في أعجب قالب قال : أحن إلى ما يضمن الخمر والحلى * وأصدف عما في ضمان المآزر إلى غير ذلك من الأمثال . البحث الثاني في بيان حكمها اعلم أن أنس النفوس وسكونها متوقف على إخراجها من غامض إلى واضح ومن خفى إلى جلى ، وإبانتها بصريح بعد مكنى وأن تردها في شيء تعلمها إياه إلى شيء آخر هي بشأنه أعلم وثقتها به أقوى ، وتحققها له أدخل ، ومن ثم كان التمثيل بالأمور المشاهدة أوقع ولمادة الشبه أقطع ، وإذا أردت أن ترى شاهدا على ما قلت فانظر إلى قوله تعالى : كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً [ العنكبوت : 41 ] فالله تعالى ضربه مثالا لضعف الأمر وهونه في كل شيء فأنت لو فكرت في نفسك ، وبالغت في نظرك وحدسك في وصف الضعف ، لكان غاية أمرك ونهاية تقديرك ، أن تقول كأضعف ما يكون وأهونه ، أو تقول هو كالهواء أو غير ذلك من التقدير والتصوير ، لكان دون ما ذكره الله تعالى في المثال ، وهكذا لو قلت فلان يكد نفسه في قراءة الكتب ، ويتعب نفسه بجمعها ، ويتحمل في التعلم الإصار والمتاعب كلها ، وهو لا يفهم شيئا ويسكت ، فإنك تجد فرقا بين أن تذكر هذا وبين أن تتلو الآية وتقول كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [ الجمعة : 5 ] فإنك تجد مصداق ما قلته